مقدمة
تتكرر في معظم المنشآت الصناعية قصة واحدة بأبطال مختلفين: عامل أو مهندس حديث التخرج يلتحق بمصنعه الأول، يرتدي الخوذة والنظارة والقفازات وحذاء السلامة بانضباط شبه عسكري، يقرأ تعليمات السلامة بعناية، ويسأل عن كل خطوة قد تنطوي على خطر. تمر الأشهر، تتحول المهارات إلى عادة، ويبدأ هذا الشخص نفسه في خلع الخوذة “لخمس دقائق فقط”، أو الاقتراب من ماكينة دون نظارة لأنه “يعرف حركتها”، أو يتجاهل قفازات العزل لأنه “اعتاد على هذا الجهد منذ سنوات”. هذه الرحلة من الانضباط إلى التراخي ليست استثناءً فرديًا، بل ظاهرة سلوكية مدروسة في علم السلامة المهنية، ولها انعكاسات خطيرة وملموسة على أرض الصناعة المصرية بمختلف فروعها.
يتناول هذا التقرير هذه الظاهرة من زاويتين: الزاوية النفسية والسلوكية التي تفسر كيف تتحول الخبرة من عامل حماية إلى عامل خطر، والزاوية الواقعية التي ترصد حضور هذه الظاهرة في قطاعات الصناعة المصرية المختلفة.
المرحلة الأولى: حماس البدايات
في الأسابيع والأشهر الأولى من العمل، يكون الموظف الجديد في أعلى درجات الحذر؛ فهو لا يملك خبرة كافية تجعله “يقرأ” الخطر بشكل غريزي، فيعتمد بشكل كامل على القواعد المكتوبة والتدريب الذي حصل عليه. هذا الحذر، وإن بدا مرهقًا في بعض الأحيان، هو أكثر مراحل العمر المهني أمانًا من الناحية الإحصائية، لأن صاحبه يلتزم حرفيًا بكل تعليمة دون أن “يفلتر” ما يراه ضروريًا وما يراه زائدًا عن الحاجة.
المرحلة الثانية: التراخي التدريجي و”تطبيع الانحراف”
مع تراكم الخبرة، يبدأ تغيّر خطير في الإدراك النفسي للخطر، وهو ما يصفه علماء السلامة بمصطلح “تطبيع الانحراف” (Normalization of Deviance)، وهو مفهوم صاغته عالمة الاجتماع ديان فوهان لوصف العملية التدريجية التي يتقبل بها الأفراد أو المؤسسات ممارسات منحرفة عن المعايير بوصفها أمرًا طبيعيًا. تبدأ العملية بانحراف صغير لا يترتب عليه ضرر فوري -كخلع القفازات لدقائق- فيتعزز شعور العامل بأن هذا التجاوز “غير خطير”، ويتكرر الانحراف تدريجيًا حتى يصبح هو القاعدة الجديدة، لا الاستثناء.
والمفارقة الأخطر، وفق دراسات متخصصة في هذا المجال، أن طول مدة الخبرة في العمل ذاته قد يتحول إلى عامل يُضعف الالتزام بالسلامة، فالشعور بالكفاءة المتراكمة يولّد ما يسمى “الرضا الزائف عن الأمان” (False Sense of Security)، حيث يعتقد العامل المتمرّس أن مهارته الشخصية تُغنيه عن أدوات الحماية التي يحتاجها المبتدئ. وقد لوحظ هذا النمط بوضوح في دراسات أُجريت على فئات مهنية شديدة الخطورة كالطيارين، حيث تبيّن أن الأكثر خبرة منهم أصبحوا أكثر تقبلًا للطيران في ظروف جوية سيئة من زملائهم الأقل خبرة، لأنهم اعتادوا على التعامل مع هذا الخطر مرارًا دون أن يقع حادث.
هذا التراخي لا يحدث في فراغ؛ فهو يتغذى أيضًا على عوامل تنظيمية مثل ضغوط الإنتاجية التي تدفع العامل لتفضيل السرعة على الإجراء الآمن، والتنشئة السلبية التي يتلقاها الموظف الجديد حين يرى زملاءه الأقدم يتجاوزون القواعد دون عقاب فيقلّدهم، وغياب الإشراف الميداني المستمر من المسؤولين عن السلامة، إضافة إلى ما يمكن تسميته “إدمان النجاة”؛ أي أن كل مرة يتجاوز فيها العامل قاعدة سلامة دون أن يصاب، تترسخ في وعيه فكرة أن القاعدة “غير ضرورية” أصلًا.
واقع الظاهرة في الصناعة المصرية
تشير بيانات حوادث العمل في مصر إلى أن قطاع الصناعات التحويلية يستحوذ على النسبة الأكبر من إصابات العمل المسجلة في القطاع الخاص، حيث بلغ نحو 54.9% من إجمالي الحالات في إحدى السنوات الأخيرة، فيما جاءت أكثر أنواع الإصابات شيوعًا من سقوط الأشخاص والاصطدام بالأشياء أو التعرض لها بنسب تجاوزت ربع إجمالي الحالات لكل منهما. كما تكشف تقارير حقوقية متابعة لملف سلامة العمال عن تصاعد ملحوظ في الحوادث الصناعية الجسيمة في مصر خلال الفترة الأخيرة، من حرائق وانفجارات غلايات داخل المصانع إلى حوادث أودت بحياة عدد من العمال دفعة واحدة في منشآت للغزل والنسيج، وهي حوادث تتكرر غالبًا في منشآت قديمة لم تُحدَّث تجهيزاتها، أو في صناعات شديدة التلوث كصناعة الأسمنت حيث تكون تكلفة إجراءات السلامة مرتفعة فتلجأ بعض المنشآت -خصوصًا التي لا تُصدّر منتجاتها للخارج وتخضع لمعايير دولية- إلى التهاون في تطبيقها.
وعلى مستوى المؤسسات نفسها، تُظهر دراسات ميدانية أُجريت على عاملين في منشآت صناعية مصرية أن أكبر نسبة من المخاطر الإدارية المسجلة كانت بسبب قلة المراقبة، وأن أكبر نسبة من المخاطر الهندسية ترجع إلى نقص الصيانة الدورية، وهي عوامل تتقاطع مباشرة مع ظاهرة التراخي المرتبط بالخبرة: فحين يغيب المراقب الميداني، يصبح القرار بارتداء معدة الحماية أو عدم ارتدائها قرارًا فرديًا بحتًا يحدده إحساس العامل الشخصي بالأمان لا إجراءات المنشأة.
تجليات الظاهرة عبر فروع الصناعة المختلفة
الصناعات الثقيلة والكيميائية والأسمنت
في هذه الصناعات، حيث يتعامل العامل يوميًا مع الغبار والغازات ودرجات الحرارة المرتفعة، يصبح ارتداء أقنعة التنفس ونظارات الحماية عبئًا جسديًا متكررًا يدفع كثيرًا من العمال القدامى إلى الاعتقاد بأن “أجسادهم اعتادت” على هذه الظروف، متجاهلين أن الأضرار التراكمية -كأمراض الجهاز التنفسي المزمنة- لا تظهر أعراضها إلا بعد سنوات من التعرض المتكرر.
صناعة الغزل والنسيج
تكشف الحوادث المتكررة في هذا القطاع، خصوصًا في المنشآت القديمة التي تعمل بها أعداد كبيرة من العمالة منذ سنوات طويلة، عن نمط متكرر: غلايات وآلات قديمة لم تُجدَّد، وعمال متمرسون اعتادوا على التعامل معها بخبراتهم الشخصية بدلًا من بروتوكولات الصيانة والفحص الدوري، إلى أن يقع حادث جسيم يكشف الفجوة الحقيقية بين “الخبرة المتراكمة” و”الحماية الفعلية”.
الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف
هنا يبرز نمط مختلف قليلًا، حيث تتكرر إصابات الأيدي والأصابع نتيجة استبعاد القفازات أو حواجز الحماية حول الماكينات سريعة الحركة، لأن العامل الذي يعمل على نفس الخط لسنوات يطوّر شعورًا بالثقة الزائدة في توقيت حركاته، وهو الشعور الذي تستهلكه لحظة سهو واحدة فقط.
قطاع البناء والتشييد
يُعد هذا القطاع من أكثر القطاعات تسجيلًا للوفيات والإصابات الجسيمة في مصر، نظرًا لطبيعة العمل في مواقع متغيرة وغير مستقرة، حيث يميل العمال المهرة -الذين تراكمت خبرتهم في “قراءة” استقرار السقالات أو الأسطح المرتفعة- إلى الاستغناء عن أحزمة الأمان أو خوذات الحماية في المهام التي يعتبرونها “روتينية”، وهي بالضبط المهام التي تحدث فيها أغلب حوادث السقوط.
قطاع النفط والغاز والمحاجر
تتطلب هذه الصناعات أعلى معايير الحماية الشخصية نظرًا لطبيعة المخاطر المركبة (انفجارات، غازات سامة، معدات ثقيلة)، ومع ذلك تُظهر بيئات العمل في هذا القطاع نفس النمط العالمي الذي رصدته الدراسات: فالعمال الأكثر خبرة هم غالبًا من يضغطون لتقليص وقت ارتداء معدات الحماية الكاملة أثناء المهام السريعة، اعتمادًا على إحساسهم بالسيطرة على الموقف.
لماذا يصعب كسر هذه الدائرة؟
تتفق الأدبيات المتخصصة في السلامة المهنية على أن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بمجرد إصدار تعليمات جديدة أو تشديد العقوبات، بل تتطلب تدخلًا متعدد المستويات يشمل:
- القيادة بالقدوة: حين يلتزم المهندسون والمشرفون أنفسهم بارتداء معدات الحماية في كل الأوقات دون استثناء، يصعب على العامل تبرير تجاوزه الشخصي.
- مراجعة الحوادث الوشيكة (Near-Miss): التعامل مع كل حالة “كادت أن تقع فيها إصابة” بوصفها إنذارًا حقيقيًا يستحق التحقيق، لا حادثًا عابرًا يستحق النسيان.
- ثقافة المحاسبة العادلة (Just Culture): تشجيع العمال على الإقرار بالأخطار التي يلاحظونها دون خوف من العقاب، بما يكسر حلقة الصمت التي تسمح بتفاقم التراخي.
- التدريب الدوري المتجدد: تنظيم تدريبات تذكيرية للعمال القدامى بقدر ما تُقدَّم للجدد، لأن الفجوة المعرفية ليست هي المشكلة بل الفجوة السلوكية.
- الرقابة الميدانية المستمرة: وجود مسؤولي السلامة فعليًا في أرض المصنع، لا في المكاتب، لرصد أي انحراف صغير قبل أن يتحول إلى قاعدة جديدة.

الخلاصة
إن الفجوة بين الحماس الأول لارتداء معدات الحماية الشخصية والتراخي اللاحق الذي يبرره العامل بخبرته المتراكمة، ليست ضعفًا أخلاقيًا فرديًا بقدر ما هي نتيجة طبيعية لميل بشري معروف علميًا، يتفاعل في الصناعة المصرية مع عوامل مشدِّدة من قِبَل المنشآت نفسها: ضعف الرقابة الميدانية، وقدم بعض التجهيزات، وضغوط الإنتاجية، وغياب المحاسبة المنتظمة. ولأن الأرقام المسجَّلة لحوادث العمل في القطاع الصناعي المصري تبقى مرتفعة بشكل لافت، فإن مواجهة “وهم الخبرة” -أي الاعتقاد بأن المهارة الشخصية تعفي العامل من أدوات الحماية- تستلزم استثمارًا مؤسسيًا حقيقيًا في الرقابة والتدريب المستمر وثقافة السلامة، أكثر من استلزامها مجرد توفير المعدات نفسها.


تقرير مهم يسلط الضوء على نقطة يغفل عنها الكثيرون: الخطر الحقيقي لا يبدأ مع نقص الخبرة، بل قد يبدأ عندما تتحول الخبرة إلى ثقة زائدة. معدات الحماية الشخصية ليست بديلًا عن المهارة، لكنها خط الدفاع الأخير عندما تخطئ الحسابات أو تحدث الظروف غير المتوقعة. الحفاظ على ثقافة السلامة مسؤولية مشتركة تبدأ من الإدارة وتمتد إلى كل فرد داخل بيئة العمل.